أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

352

العقد الفريد

فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون : هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة . فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر اللّه ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، فما حملك على ذلك ؟ قالت : يا أمير المؤمنين قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ « 1 » وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته ، قال : صدقت ، فاذكري حاجتك . قالت : إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا ؛ وإنّا قد فقدنا ذلك ، فما يجبر لنا كسير ؛ ولا ينعش لنا فقير ؛ فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك تنبّه من الغفلة وراجع التوبة ، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخونة ولا استعمل الظّلمة . قال معاوية : يا هذه ، إنه ينوبنا من أمور رعيّتنا أمور تنبثق ، وبحور تنفهق « 2 » . قالت : يا سبحان اللّه . واللّه ما فرض اللّه لنا حقا فجعل فيه ضررا على غيرنا ، وهو علام الغيوب . قال معاوية : يا أهل العراق ، نبّهكم عليّ بن أبي طالب فلم تطاقوا ! ثم أمر بردّ صدقاتهم فيهم وإنصافهم . قصة درامية الحجونية مع معاوية رحمه اللّه تعالى سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال : حج معاوية ، فسأله عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون ، يقال له دارمية الحجونية ؛ وكانت سوداء كثيرة اللحم ، فأخبر بسلامتها ؛ فبعث إليها فجيء بها ؛ فقال : ما حالك يا ابنة حام ؟ فقالت : لست لحام إن عبتني ؛ أنا امرأة من بني كنانة . قال : صدقت . أتدرين لم بعثت إليك ؟ قالت : لا يعلم الغيب إلا اللّه . قال : بعثت إليك لأسألك : علام أحببت عليّا وأبغضتني ؛ وواليته وعاديتني ؟ قالت : أو تعفني . قال : لا أعفيك . قالت : أما إذ أبيت ، فإني أحببت عليّا على عدله في الرعية ، وقسمه بالسويّة ؛ وأبغضتك على قتال

--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 101 . ( 2 ) تنفهق : تتدفّق وتنفجر .